القاضي عبد الجبار الهمذاني

217

المغني في أبواب التوحيد والعدل

إلى فعله تعالى فقط نحو الشهوات واللذات وما أدّى إليهما . وقد بينا أن ذلك لا قدر منه إلا وهو موصوف بالقدرة عليه وعلى أكثر منه ، وأنه كما يصح أن يفعله ببعض الأحياء يصح أن يفعله بغيره . والصلاح في باب الدين لا يكفى فيه ما يفعله تعالى دون أن يقترن به اختيار المكلف للطاعة . فإذا انفرد فعله عن ذلك لم يكن صلاحا ، وكان تعالى / مستصلحا بما فعل . وإذا صح ذلك - وقد بينا أنه لا يمتنع أن يكون المعلوم من حال العبد أنه لا يؤمن عند شيء من مقدوراته - فغير واجب أن يوصف بأنه قادر على أن يصلح الكافر بإزالة فساده على هذا الحد . وما قدمناه من قبل في الشبهة الأولى يغنى عن تقصى الجواب في هذه المسألة . شبهة أخرى وربما تعلقوا من جهة السمع بقوله تعالى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى « 1 » ، وبقوله وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً « 2 » ، وبقوله وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها « 3 » ، وبقوله وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ « 4 » . قالوا : فكل ذلك يدل على أنه يصح أن يلطف لهم ، ويشاء منهم ما يؤمنون عند كونه ووجوده ، لكنه لا يفعله ؛ فلو كان واجبا لما صح ذلك ، وهذا بعيد . وذلك لأنا قد بينا من قبل أنه تعالى يصح أن يشاء ما يؤمنون عنده لا محالة ، وهو طريقة الإلجاء ، فمن أين لهم أنه تعالى أراد اللطف على ما زعموه دون أن يكون المراد ما نقوله في ذلك . وليس في الظاهر أكثر من أنه تعالى لو شاء لجمعهم على الهدى ، ولو شاء لآمنوا ، وليس فيه بيان الّذي يشاء فيؤمنون عنده ، وعلى

--> ( 1 ) قرآن : س الأنعام : 35 . ( 2 ) قرآن : س يونس : 99 . ( 3 ) قرآن : س السجدة : 13 . ( 4 ) قرآن : س الأنعام : 111 .